ملة إبراهيم || فضيلة الشيخ محفوظ إبراهيم فال

أساس الدين وحقيقته إسلام الوجه لله، وأن ﻻ يكون في العبد شركاء متشاكين، وأن ﻻ يتخذ من دون الله أندادا يحبهم كحب الله، ويخشاهم كخشيته، ويطيعهم كطاعته
وتلك الحنيفية التي بعث بها كل اﻷنبياء قال الله تعالى:
{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إﻻ من سفه نفسه ولقد اصطفينه في الدنيا وإنه في اﻵخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين }
وﻻ يكون هذا اﻹسلام إﻻ بعد معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فمن عرف الله حق المعرفة لم يشرك به مخلوقاته، ونفض يديه مما سواه، وأيقن أنه لا يتصرف في الكون عداه أي تصرف فقال القول الذي أمر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم:
{ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين قل أغيرالله أبغي ربا وهو رب كل شيء } فمن ذا الذي يشرك مع رب كل شيء من ليس له من الأمر شيء ؟
{ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السموات والأرض والذين كفروا بآيت الله أولئك هم الخاسرون قل أفغيرالله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين } من ذا الذي يترك خالق كل شيء ويقصد من لم يخلق ذرة ؟
من ذا الذي يشرك مع من له مقاليد السماوات والأرض، من لا يملك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ؟
إن أساس الشرك الجلي والخفي الشرك الأكبر ( العقدي) والشرك الأصغر (العملي ؛الرياء ) الجهل بالله تعالى ، وإن الداواء الناجع منهما لا يكون إلا بمعرفة الله تعالى بما عرّف به نفسه في كتابه ولا يصدق التوحيد ويحصل الإخلاص إلا بتلك المعرفة
فمن عرف الله الخالق لا يقصد المخلوق، ومن عرف الواهب لا يسأل الموهوب له، ومن عرف المعطِي لا يقصد المعطَى، ولكن الجهل بالله تعالى ضلال ما بعده ضلال، وبلاء ما بعده بلاء، ولذلك يقول المشركون يوم القيامة لمن أشركوا بهم: { تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين }
نعم ! إن من سوى رب العالمين بالمخلوقين لفي ضلال مبين فليحذر كل امرئ من ذلك، وليحرص على أن يلقى الله بقلب سليم من غير الله حتى لا يخزيه الله يوم يلقاه فذلك أكبر هم الحنيفيين ومبلغ علمهم كما قال إمامهم إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام:
{ ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم }
من المؤسف أن ما نسميه كتب العقيدة سلكت سبيلا غير سبيل القرآن في التعريف بالله تعالى وملأتها مسائل الخلاف العقدية
بعيدا عما يزرع عظمة الله في القلوب، ووقاره في النفوس، وصارت العقيدة القائمة على البرهان الذي يفرض التسليم ميدانا لجدل لا نهاية له؛
أما كتب التربية والسلوك فقد سلكت هي الأخرى سبيل التفريع والتوليد والحشو والتطويل وقللت من أصول التربية وشغلتها أمراض القلوب عن أعمالها وأدواؤها عن غذائها
ولا مناص إلا بالعودة إلى الإيمان في القرآن حيث سلطان الدليل على العقول وسلطان الإحسان على القلوب { تبصرة وذكرى لأولي الألباب }
حيث يعرف الله تعالى بالتفكر في ملكوته فيعظم ويمجد، وبالنظر في أصناف بره وأنواع إحسانه فيصدق حبه ويخلص رجاؤه،
ليت المعلمين والخطباء والمربين سلكوا ذاك المسلك فأخذوا الناس إلى ربهم من أقرب طريق، وزرعوا فيهم الإيمان العميق، وجنبوهم بنيات الطريق،
اللهم أسلم وجوهنا لك واجعلنا من المحسنين
إرشيف