وجاء العشر | فضيلة الشيخ محفوظ ابراهيم فال

وجاء العشر
( 1 )
(( فرصة محبة الله تعالى ))
على المؤمن الصادق الرغبة في أن يحبه الله تعالى أن يعلم أن هذه فرصته فأعظم الأسباب لمحبة الله جل فعل أحب الأعمال إليه ( ما من أيام العمل الصالح فيها إلى أحب الله من هذه العشر ) فلنكثر من غنائم البر كلها ولنلزم نوافل الخير كلها ولنحذر أن ننقطع عن المنافسة فيها وأن نزول عن طلبها
فما أعظم فوزنا يوم يحبنا الله تعالى فنكون ممن صدق فيهم الحديث القدسي ؛
( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه )
هذا هو ولي الله حقا الذي تولاه الله تعالى فكان له بمنزله السمع والبصر واليد والرجل إن سمع سمع لله وبالله وفي الله وإن أبصر أبصر بالله ولله وفي الله وإن بطش بطش بالله ولله وفي الله
إن سأل الخير المرغوب أعطي وإن استعاذ من الشر المرهوب أعيذ
ما أعظم كنود الإنسان كيف لا يسير إلى الله ركضا وهو يعرض عليه محبته له وكفايته له وجبره له والقرب منه والزلفى إليه
كيف يزهد الفقير في محبة الغني وكيف يزهد الضعيف في محبة القوي أم كيف يزهد العاجز في محبة القادر أم كيف يزهد المخلوق في محبة الخالق
فهل يشغل بعد هذا عن السعي إلى محبة الله شاغل
وهل علمتم قيمة هذه الأيام وأنها أغلى من أن تسترخص بالغفلة
وأن يشتغل فيها بغير الله أو يقبل فيها على من سواه
ما أجمل أن تقرر أنك تريد أن يحبك الله وتجعل ذلك هما لك لا يبرح وحاديا لك لا يفتر وسائقا لك لا ينقطع فتضن بدقائق العشر وثوانيها فضلا عن ساعاتها وأيامها وتبذلها طيبة نفسك برخص الثمن وغلاء المثمن فتقبل إقبال من لا يلتفت وتسير سير من لا يتوقف فما أقصر الأيام وما أسرع انصرامها
فتذكر يوم تنصرم عن السابق فيزول التعب والعناء ويبقى الغنم والهناء وعن المتخلف فتزول الدعة والراحة ويبقى الفوات والحسرة
جعلنا الله وإياكم من الذين يحبهم ويحبونه وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته
( 2 )
( لايزال_لسانك_رطبا_بذكر_الله )
من أفضل ما يكتسبه المسلم أن يعود نفسه على ذكر الله على كل أحيانه كما كان الحبيب صلى الله عليه وسلم و قد جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله :
إن شرائع الاسلام قد تفرقت علي فدلني على أمر أتشبث به قال : (( لا يزال لسانك رطبا بذكر الله ))
لا سيما ونحو في موسم الذكر " الأيام المعلومات والمعدودات " قال الله تعالى ؛ ( ليذكروا اسم الله في أيام معلوت ) قال ابن عباس ؛ ( هي أيام العشر ) وقيل يوم النحر ويومان بعده وقال تعالى ؛ ( واذكروا الله في أيام معدودات ) وهي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد. أخرجه أحمد 7/224 وصحّح إسناده أحمد شاكر
و للذكر فوائد كثيرة من أهمها :
1ـ ذكر الله للذاكرين و في الحديث القدسي :
(( من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ))
تخيل أيها المؤمن أن ربك جل جلاله يذكرك في الملأ الأعلى فما الذي يخرس لسانك و يغفل جنانك .
وقال تعالى( يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ) ثم ذكر ثمرة ذلك فقال جل جلاله؛ ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ) ثم ذكر بركة تلك الثمرة ( ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) ثم ذكر سبب ذلك كله ( وكان بالمؤمنين رحيما ) ثم ذكر عاقبتهم ( تحيتهم يوم يلقونه سلاما وأعد لهم أجرا كريما )
2 ـ حياة القلب التي هي أصل السعادة و بها تقر العين وتنزل السكينة وتحصل الطمأنينة ففي الحديث:
(( مثل الذي يذكر ربه و الذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ))
و بها يحصل الانتفاع بآيات الله عزوجل
{{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }}
3 ـ حصن من شياطين الانس و الجن و صارف للآفات و الهلكات .
والغفلة يستحوذ بها الشيطان على الإنسان قال الله تعالى :
(( استحوذ عليهم الشيطان فأنسيهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون )) .(( ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين ))
وذلك أصل الخسران فمن استحوذ عليه عدوه وغلبه واقترن فسيورده موارد الهلكة
4ـ كثرة الأجر مع اليسر و قلة المؤونة والنصوص في ذلك كثيرة فالذكر لا يتوقف على مال و لا قوة ولا جاه و لا فراغ ويكفي في ذلك الحديث الصحيح المشهور
( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم )
5 ـ الأنس بالله والاشتغال به عن غيره والطمأنينة به
{ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } وإنما يطمئنون بذكره العارفون به وبأسمائه الحسنى وصفاته العلا الذين تترجم ألسنتهم المعاني القائمة بقلوبهم وكيف لا يطمئن من ذكر من ( له المثل الأعلى في السماوات والأرض )
كيف لا يطمئن الكمال الأعلى كمال الجمال وكمال الجلال وكمال الهيبة وكمال العظمة وكمال البر وكمال الرحمة وكمال اللطف وكمال الإحسان وكمال الستر وكمال الإحسان وكمال الجود وكمال البسط وكمال الستر وكمال المغفرة وكمال الحلم وكمال العفو وكمال الصفح وكمال الغوث وكمال الفضل وكمال النعمة ووووو سبحانه له الثناء الحسن وله الحمد في السموات والأرض لا نحصي عليه هو كما أثنى على نفسه
أمور تعينك:
1ـ حافظ على انتظار الشروق ما استطعت فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليه وهو أكثر الناس واجبات وأكثرهم شغلا وأي شغل أعظم من الاشتغال بالله والإقبال عليه و به تحصل أجر حجة وعمرة .
2ـ اقرأ كتابا في فضل الذكر و آدابه ويمكن الاكتفاء بباب فضل الذكر من كتاب رياض الصالحين و الأفضل قراءة كتاب :الوابل الصيب في الكلم الطيب لابن القيم رحمه الله تعالى.
3ـ جاهد نفسك على دوام الذكر و كلما غفلت عنه عد إليه .
4 ـ اصبر على حمل النفس على الذكر حتى يكون عادة و لا تستعجل إذا لم تصل بسرعة
5ـ جالس الذاكرين و ابتعد عن الغافلين
6 _تعلم معاني الأذكار وتدبرها حتى تأنس بها ويقوم بقلبك معناها
7 _ الدعاء وخيره (( اللهم أعني علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ))
( 3 )
( قالوا ولا الجهاد في سبيل الله )
تقرر عند الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام وأفضل الأعمال الصالحة ولذلك لما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل العمل الصالح في العشر بادروا بهذا السؤال التلقائي الصادر عما علموه منه صلى الله عليه وسلم
فأحابهم ( ولا الجهاد في سبيل الله ) واستثنى حالة خاصة نادرة في الجهاد والمجاهدين ( إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء )
وبذلك نعلم أن هذه فرصة لنا لننافس المجاهد في سبيل الله تعالى فرصة لمن حيل بينه وبين الجهاد بأي سبب من الأسباب فرصة لمن جبن عن جهاد كفائي أن يعمل عملا أفضل من الجهاد الذي بين الله تعالى فضله في آيات كثيرة وحض عليه وأمر رسوله بالتحريض عليه ( وحرض المؤمنين القتال )
فقد حكم الله بفضل المجاهدين على القاعدين وأنهم لا يستوون ( لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:95، 96]. )
ورد على المشركين حين اعتبروا أن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام تستوي مع الإيمان والجهاد (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ الٱخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ )
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
( قِيلَ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما يَعْدِلُ الجِهَادَ في سَبيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، قالَ: فأعَادُوا عليه مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذلكَ يقولُ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، وَقالَ في الثَّالِثَةِ: مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بآيَاتِ اللهِ، لا يَفْتُرُ مِن صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، حتَّى يَرْجِعَ المُجَاهِدُ في سَبيلِ اللهِ تَعَالَى.)
وعَنْ أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: إنَّ في الجنَّةِ مائَةَ درجةٍ أعدَّهَا اللَّه للمُجَاهِدينَ في سبيلِ اللَّه مَا بيْن الدَّرجَتَينِ كَمَا بيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ. رواهُ البخاريُّ.
وعَن أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قَال:
مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبَّا، وبالإسْلامِ دينًا، وَبمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَجَبت لَهُ الجَنَّةُ فَعَجب لهَا أَبُو سَعيدٍ، فَقَال أعِدْها عَلَيَّ يَا رَسولَ اللَّهِ فَأَعادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأُخْرى يَرْفَعُ اللَّه بِها العَبْدَ مئَةَ درَجةٍ في الجَنَّةِ، مَا بيْن كُلِّ دَرَجَتَين كَما بَين السَّماءِ والأرْضِ قَالَ: وَمَا هِي يَا رسول اللَّه؟ قَالَ: الجِهادُ في سبِيل اللَّه، الجِهادُ في سَبيلِ اللَّهِ. رواهُ مُسلمٌ.
ما أعظم العمل في هذه الايام وما أزكاه وما أرضاه فلا تسترخصوها بالغفلة عباد الله واحفظوا دقائقها فضلا عن ساعاتها وأيامها
أعاننا الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته
4
ذكرى التضحية والفداء
( بين خلة الرب ومحبة الولد )
من أعظم القصص في القرآن قصة خليل الرحمان وهي قصة تجسد كمال التوحيد بكمال الاستسلام لله رب العالمين وفي كل طرف من أطرافها يعلمنا الله كيف كان هذا النبي الكريم عنوان العبودية لله والتضحية في ذاته
ويعيش المسلمون هذه الأيام ذكرى التضحية والفداء وهي قصة جديرة بالتأمل والتعقل ثم التخلق والتمثل في دوام الانقياد والاستلام لطاعة الرب جل وعلا
فقد تأخر الولد عن إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام حتى كبر وقد أخبرنا الله عن دعائه وضراعته ( رب هب لي من الصالحين ) وبعد أن استجاب الله دعاءه ورزقه الغلام الحليم كان على موعد مع البلاء العظيم وكان على مرحلتين ؛
_ المرحلة الأولى والولد لا يزال صغيرا رضيعا حيث أمر أن يتركه وأمه بواد غير ذي زرع وغير ذي أنيس وتعلقت به الفتاة المؤمنة وهو يودعها ( آلله أمرك بهذا ) فقال نعم
فقالت في إيمان ويقين ( إذن لا يضيعنا ) وفي الحديث الصحيح أنه أجابها وهو لم يلتفت _وما كان لخليل الرحمان أن يلتفت إلى شيء تركه لله _
ولك أن تتصور حال شيخ كبير يترك رضيعه الأول وأمه الفتاة في وحشة الفلاة
لكن خلة الرب غلبت محبة الولد فما كان من إبراهيم إلا أن امتثل أمر الخليل جل وعلا وتوجه إليه بدعوات تفيض باليقين والمعرفة للرب والحنان والعطف على الولد وأمه ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء )
والله أعلم بمقصود إبراهيم في قوله ( تعلم ما نخفي وما نعلن ) وأعلم بما يجيش به صدر الأب الكريم وما يزدحم به من عواطف وقد غيرت تلك الدعوات حال الوادي من واد لا أنيس فيه إلى واد تزدحم فيه البشرية ولا يخلوا منها لحظة لا يفقد عنده عرق ولا جنس كما حولت الوادي الذي لا زرع فيه إلى واد ( تجبى إليه ثمرات كل شيء )
_ وأما المرحلة الثانية فقد تصاعد فيها البلاء وتزايد وتناهى فقد كبر الرضيع و شب ونجا من الغربة وصار في العمر الذي تعلق به الأب أكثر وأكثر و صار يسعى في الحاجات وتعلق عليه الآمال العريضات حينها جاء الأمر بالذبح وليس الترك في الوادي فحسب
( فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى ) ولم يجد الخليل بدا من مواجهة ابنه باستشارة عصيبة ( ما ذا ترى ) في ذبحك وهل رأيتم أحدا يستشار في ذبحه والناظر في قصة إبراهيم يجد الحوار حاضرا بأسلوب رفيع أوتي صاحبه الحجة فقد حاور قومه مجتمعين وحاورهم منفردين (الأب والملك ) بل خاطب الأصنام خطاب المحاور (مالكم لا تنطقون )
وفي ذلك تعليم حكيم
وكان البلاء عظيما على الابن الصغير كما هو على الأب الكبير لكن لا مجال للتلكؤ في طاعة الله ولا الاعتراض ولا التبرم مهما كانت المشقة وذلك ما ترجمه إسماعيل بصبر عظيم ( يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) قال أهل البلاغة ولم يقل افعل بي بل نسي نفسه أمام أمر الله وكأن الأمر لا يتعلق بذبحه
وانفض الحوار الأسري المؤمن إلى مواجهة الحقيقة وأخذ الأب السكين وأضجع الإبن على جبينه في لحظة يتفطر القلب لسماعها فضلا عن مشاهدتها فضلا عن ممارسنها
( فلما أسلما وتله للجبين ونادينه أن يإبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذ لهو البلاء المبين )
وبينما الأب ماضي العزم في التنفيذ والابن ثابت الجأش في الاستسلام إذ جاء الغوث من المغيث البر الرحيم وارتفع التكليف إذ لم يكن المقصد حسب الظاهر _والله أعلم _ ذبح إسماعيل فقد كان عند ربه مرضيا وتنتظره أدوار عظيمة وإنما كان لابتلاء لخلة إبراهيم لربه وهل زاحمتها محبة الولد أم أن خلة الرحمان لا يزاحمها شيء في قلب الخليل عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة والتسليم
وبعد نجاح إبراهيم وابنه نزل الفداء من السماء ( وفديناه بذبح عظيم ) وخلدت القصة ابتلاء ونجاحا
( وتركنا عليه في الآخرين )
وصار للمسلمين موعد سنوي مع هذه التضحية تعلمهم أن أمر الله لا يعارض بحب محبوب ولا خوف مخوف وأن أباهم ( جعلها كلمة باقية في عقبة )
فأين هم من الاستسلام لله في الأمر كله ولزوم ملة إبراهيم الحنيفية ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا )
ثم توال شكر الشكور جل جلاله لإبراهيم ومنة المنان عليه ( سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ) ثم زيد بعد إرادة التضحية بإسماعيل البشرى بولد آخر ( وبشرناه بإسحاق نبيئا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق )
فما أعظم معاملة الله وما أربح من عامله وإذا كان في الناس من يبخلون على الله بالخسيس ففيهم من يستقل في سبيله الجود بالنفيس ( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ) أولئك المهتدون حقا لا دعوى وأولئك القدوة الحسنة والأسوة الفاضلة التي يتبعها محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه الصادقون ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده )
اللهم اعطنا ولا تحرمنا